Gabes, where the culture of life resists

Sorry, this entry is only available in العربية.

 اعداد : ريم سوودي  

  • تقديم  

تُجسّد قابس حالة نموذجية لفهم أزمة النموذج التنموي الذي تبنّته الدولة التونسية منذ سبعينات القرن الماضي والمتمركز حول الدولة ومنطق التصنيع القسري. 

اذ تبنت الدولة في جهتي قابس وقفصة نموذجًا يقوم على التخصّص في الصناعات الاستخراجية كآلية للاندماج في السوق العالمية، دون أن تتملك السيادة الفعلية على شروط الإنتاج والتحويل والتوزيع. 

كانت قابس تُعرف بجمالها الفريد وواحتها البحرية النادرة، تحولت إلى فضاء موبوء بفعل مشروع صناعي ضخم هو المجمّع الكيميائي التونسي، الذي استُقدم تحت شعار “التنمية والتشغيل”، لكنه انتهى إلى تدمير أهم موارد الحياة في الجهة: الماء، الهواء، والتربة. 

لم يكن هذا التحول من الجنة إلى الجحيم البيئي مجرد حادث عرضي، بل نتيجة مباشرة لخيارات سياسية واقتصادية تمحورت حول فكرة “النمو بأي ثمن”. فالدولة ركّزت على استخراج الفوسفات وتصنيعه كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، دون وضع أي استراتيجيات لمعالجة النفايات أو حماية السكان. هذا ما جعل قابس مثالًا حيًا على التنمية غير المستدامة التي تتوهم خلق الثروة لكنها في الواقع تدمر المنظومات البيئية المحلية. 

لم تنفصل المأساة البيئية في قابس عن البعد الاجتماعي. فالمجمّع الكيميائي يوفر آلاف مواطن الشغل، ما يجعل السكان عالقين بين خيارين مرّين: العيش في الخطر أو العيش في الفقر. هذه المفارقة المأساوية تعكس هشاشة الخيارات الاقتصادية التي لم تخلق بدائل حقيقية، وجعلت من الملوث مصدر الرزق الوحيد. هنا يتحول التلوث إلى قَدَر اجتماعي، وتُصبح المطالبة بالبيئة النظيفة نوعًا من الترف في مواجهة الحاجة اليومية للعمل. 

تكشف الازمة البيئية في قابس عن عجز الدولة وضعف مؤسساتها في مواجهة لوبيات الصناعات الملوثة. فغياب الشفافية في نشر بيانات التلوث، وعدم وجود دراسات صحية رسمية محينة، يفضح استمرار ثقافة التعتيم التي رافقت السياسات البيئية لعقود. كما أن ضعف التجهيزات الصحية في الجهة يعمّق الإحساس بالظلم، إذ لا يجد المرضى حتى وسيلة لتأكيد علاقة أمراضهم بالتلوث، ما يجعل الألم مضاعفًا: بيئيًا وجسديًا ومؤسساتيًا. 

ترمز قابس لوضع تنموي مختلّ: مدينة تعاني من إرث استعماري داخلي حيث تُستغل مواردها دون أن تستفيد من ثمارها. وفي الوقت نفسه، هي مختبر لميلاد وعي بيئي جديد في تونس ما بعد الثورة وفضاء تتقاطع فيه قضايا العدالة البيئية مع الحق في الصحة والحق في التنمية المتوازنة. 

رغم ان قابس يمكن ان تتحول في أي لحظة الى صورة ثانية من “مرفأ بيروات 2020  فإن حركاتها المدنية ووعي سكانها يمنحان الأمل في تحولها من رمز للكارثة  والفاجعة الوشيكة إلى رمز للنضال من أجل الحياة والكرامة البيئية — نضال يطالب لا بإغلاق المصانع فقط، بل بإعادة التفكير جذريًا في علاقة تونس ببيئتها وبجهاتها المهمشة. 

تأتي هذه الورقة  في إطار زيارة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لولاية قابس على خلفية ما تشهده من حالات اختناق في صفوف التلاميذ ومتساكني الأحياء المحيطة بالمنطقة الصناعية بدأت منذ يوم 9 سبتمبر 2025، واحتجاجات تتواصل الى غاية الان، تطالب بالحق في بيئة سليمة وتنادي بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي ووضع حد للتسربات الغازية الضارة.   

تهدف الورقة الى تقديم قراءة وصفية لواقع الحراك البيئي الذي تم معاينه في مدينة قابس والتعامل الرسمي مع الاحتجاجات والمحتجين والمحتجات من متساكني المنطقة وذلك بالاستناد الى شهادات وتصريحات وبيانات مجمعة.   

  • التسرب الغازي كقادح للاحتجاج والتعبئة 

سجلت منطقة غنوش اول تسرب للغازات يوم 9 سبتمبر 2025، ومثله تم تسجيله يوم 10 سبتمبر، وتم التنديد بها من قبل متساكني المنطقة.. ولم تنتظر إدارة المركب الكيميائي كثيرا لتعود انبعاثات الغازات “الخانقة ” من جديد يوم 16 سبتمبر وكانت ايضا في منطقة غنوش وفي العموم لم تكن الاضرار كبيرة وحالات الاختناق تم إسعافها ولم تكن حادة حسب تصريحات رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بقابس.  

وشهدت يوم 27 سبتمبر 2025 تسربات جديدة كانت شملت هذه المرة منطقة شط السلام وكان أثرها أوسع حيث تسببت نوعية الغازات في اختناق 35 تلميذ وتلميذة من المدرسة الاعدادية شط السلام، وتتالت بعدها احداث الاختناق في نفس المنطقة السكانية لتشمل مواطنين وتلاميذ في كل مرة، وواجه المستشفى المحلي صعوبات في إسعاف الحالات المسجلة امام نقص التجهيزات التي يعانيها واضطر الى الاستعانة بسيارات الحماية المدنية المجهزة بالاكسيجان في كل مرة امام تضاعف العدد الى اكثر من 60 حالة.    

وحسب تشخيص احد الاطباء التي توصل معه فريق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تتسبب حالات الاختناق المسجلة في صفوف تلاميذ وتلميذات اعدادية شط السلام في حالات من الهلع الجماعي وضيق في التنفس، وكان الوضع حرجا لدى 8 منهم. تم ارسالهم في حافلة غير مجهزة ودون مرافقة طبية او شبه طيية نحو مستشفى الرابطة بتونس العاصمة وافادت شهادات ان حالة ضيق تنفس اصابت التلميذات في طريقهن الى العاصمة ومازلت حالتهم الصحية متعكرة الى غاية اليوم حيث تعجز احداهن عن المشي وتعاني اخرى من مشكل في حركة اليدين.  

وشهدت الليلة الفاصلة بين يوم السبت والأحد 12 أكتوبر تحركات انتهت بحرق الإدارة الجهوية للمجمع الكيميائي ومحاولة سرقة لمستودع البلدية وحرق جزء من معهد المنار، سجلت بعدها الجهة مجموعة من الايقافات منها فتاة تم إطلاق سراحها لاحقا.   

وتفيد الشهادات التي جمعناها من متساكني منطقة شط السلام التحركات البيئية بقابس  سلمية ولم تشهد أي شكل من أشكال العنف او الفوضى ومنذ 2011 وأن حتى بعض الانفلاتات هي حوادث معزولة ويتم احتوائها من قبل الأهالي. 

وسجلت قابس المدينة، حالات إيقاف ارقامها ترتفع يوميا على خلفية التحركات التي عاشت على وقعها الجهة، حسب الزيارة التي تم تنظيمها من قبل المكتب الجهوي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق  الإنسان لمركز الايقاف. وتمت عمليات الإيقاف لأفراد ومجموعات على حد السواء.  

 

  • نساء قابس: حارسات الحياة ضد منطق التدمير والارباح 

خلقت حالات الاختناق المتتالية في المنطقة والغياب شبه الكلي لمسؤولي الجهة وضعا من الاحتقان والغضب في صفوف الاولياء ومتساكني منطقة شط السلام وبدأت المنطقة تعرف تحركات أمام المجمع الكميائي تطالب بوقف العمل ووضع حد للتسربات الغازية “الخانقة”. وشكلت تحركات “الامهات” النواة الاولى للحركة الاحتجاجية التي عرفتها منطقة شط السلام بقابس.  

عرفت مسيرة يوم الغضب التي انتظمت يوم 15 اكتوبر 2025، بدورها مشاركة واسعة لكل الفئات العمرية وسجلت حضور واضح للنساء والفتيات اللاتي كن في الصفوف الامامية، وعلى امتداد 2 كلم من باب بحر وسط المدينة باتجاه شط السلام اين تتمركز المنطقة الصناعية ووحدات المجمع الكيمائي التونسي، تقدم المحتجون والمحتجات رافعين لشعارات مختلفة تتمحور جميعها حول الحق في بيئة سلمية وتفكيك الوحدات.  

برزت نساء قابس كفاعلات مركزيات ليس فقط في التعبئة و تنظيم الوقفات والمسيرات داخل المدينة بل أيضًا في قيادة الخطاب العام حول العدالة البيئية. فقد كنّ في مقدّمة التحركات الميدانية، كما أخذن الكلمة في الاجتماعات العامة وفي التصريحات الصحفية، ونجحن في جعل أصواتهنّ أكثر حضورًا وتأثيرًا. كان خطاب نساء قابس هو الأصدق والأكثر تحفيزًا على التعبئة، لأنه انطلق من تجربة معيشة يومية للتلوث والمعاناة، ولأنه خاطب الناس بلغة العاطفة المشتركة لا بالمنطق التقني، فكان أقرب إلى اقرب واسرع للمتلقي. 

تحولت نساء قابس الى مُنتِجات للخطاب ومُؤسِّسات لشرعية جديدة تقوم على الصدق والتجربة. وأضفن بذلك للحراك البيئي نَفَسًا جديدًا فيع الكثير من الجرأة السياسية مما جعله أكثر قدرة على كسر الصمت والتردد والتشكيك. إن نساء لم يقدن فقط الشارع، بل أعدن تعريف من يتحدث باسم الضحايا، ومن يملك شرعية تمثيل الوجع الجماعي ولم يكن حضورهن تجميليًا بل كان عنصرًا تأسيسيًا في استمرارية الحركة وفاعليتها الرمزية، وكسرن نمطية انهن ضحايا ليتحولن إلى ناطقات باسم الحياة نفسها. 

يظهر انخراط نساء قابس في الحركة الاحتجاجية كيف تتحول النظريات السوسيولوجية والبيئية وتقاطعاتها إلى ممارسة نضالية يومية. إن حضور نساء قابسفي الصفوف الأولى للحراك البيئي لا يعكس فقط حساسية جندرية تجاه الحياة، بل يُعيد تعريف السياسة ذاتها بوصفها فعل رعاية ومقاومة في آن واحد  

  • مواجهة الحراك  

واجهت الدولة التونسية الحركة البيئية في قابس بمسار تصاعدي من التسويف والتعويم ثم الوصم فالقمع في سيناريو الاحتواء الممنهج” الذي تكرّره السلطة مع كل حراك اجتماعي يهدد سردياتها حول التحامها بالمطالب الاجتماعية. في المرحلة الأولى، اعتمدت الدولة على استراتيجية التسويف عبر الوعود بإيجاد حلول “غير تقليدية” لمشكلة التلوث، دون تحديد آجال واضحة أو آليات تنفيذ. هذه المقاربة البيروقراطية تندرج ضمن سياسة “تهدئة المطالب وامتصاص الغضب عبر الخطاب بدل الفعل. 

مع تحوّل الحراك البيئي الى قوة احتجاجية مستقلة لجأت السلطة إلى آلية التعويم ومحاولة تفكيك المعنى السياسي للحركة وتحويلها إلى موضوع نقاش إداري وتقني في محاولة لتحويل الازمة البيئية الى ملف إداري تُحتكره لجنة او بعض المؤسسات فيُقصى المواطنون عن القرار من جديد. 

عملت الأطراف المساندة للسلطة على تصوير النشطاء كـ“مخرّبين”، أو “عناصر مأجورة”، أو “أصحاب أجندات خارجية” في محاولة قديمة متجددة لإضعاف الشرعية الأخلاقية للحركات الاجتماعية، بتحويلها في المخيال العام من فاعل وطني إلى مصدر تهديد للنظام وبأنها محل توظيف سياسي 

كما لجأت الدولة إلى ادواتها التقليدية في الردع بالقمع المباشر عبر التدخل الأمني، الملاحقات القضائية، أو استدعاء الناشطين للتحقيق لتنتقل بذلك من العنف الرمزي إلى العنف المادي مما يكشف حدود الدولة في استيعاب النقد الاجتماعي . 

 

 

تقاسمت الشبكات الاجتماعية صورا وفيدوات توثق التدخل الأمني والاستعمال المكثف للغاز المسيل للدموع  إضافات الى شهادات عن عمليات إيقاف عشوائي ودعوات للتحقيق. حيث رصدنا دعوة امرأتان للتحقيق، افادتا في شهادتهما لفريق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية انهما قد كانتا اولى من وصل الى المجمع الكميائي التونسي، اين كانت تتواجد الوحدات الامنية، وطالبتا بتفكك الوحدات التي تسبب تسرب الغازات منها، في حالة من الشلل لقريبتها وهي احدى التلميذات المتضررات في المدرسة الاعدادية شط السلام.   

وحسب ما افادتا تم دعوتهما  يوم الخميس 16 اكتوبر 2025 الى مركز الأمن بقابس اين علمتا انه تم توجيههما نحو منطقة القرجاني وسط العاصمة، ثم  تم تدارك ذلك نظرا ان فرقة من القرجاني قد جاءت الى ولاية قابس. هذا وقالتا ان عون الامن الذي استقبلهما قد تعمد تعداد اسماء لعدد  من النساء اللاتي شاركن في التحركات الاحتجاجية على انه سيتم دعوتهن للتحقيق تباعا.  

وافاد رصد فريق الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أنه تم معاينة أضرار جسدية جسيمة لاحد الموقوفين يبدو انه تعرض ل”السحل” أو الجر خلال عملية إيقافه من قبل الأمنيين ما خلف له جروحا في الجزء الأمامي والخلفي لجسده، وتقدمت الرابطة بمطلب تسخير لنقله إلى المستشفى. في نفس الوقت عاينت إصابة للطفل القاصر على مستوى الحاجب نتيجة ضربة “متراك” كما عاينت أيضا ضررا على مستوى الركبة والساق لموقوف واصابة على مستوى الظهر لآخر تسببت له في آلام وصعوبة في التحرك والمشي.    

هذا وتم ابلاغ فريق رابطة حقوق الانسان ان احد الموقوفين تم نقله مباشرة الى المستشفى نظرا انه تم جلبه في حالة حرجة نتيجة ما تعرض له من اعتداءات وضرب خلال عملية إيقافه من قبل الامن، رفض على خلفيتها مركز الايقاف استقباله الا بعد عرضه على الطبيب.  

ورغم سلمية التحرك سجل استعمال مفرط للغاز المسيل للدموع من قبل قوات الامن التي كانت تتمركز بكثافة وسط الطريق المؤدي الى المجمع الكيميائي التونسي وخلف ذلك عدد كبير من حالات الاختناق في صفوف المحتجين والمحتجات  خلقت حالة عامة من عدم الرضا والغضب لدى متساكني مدينة قابس.. وعرفت بعدها الليلة الفاصلة بين 15 و16 اكتوبر سلسلة جديدة من الايقافات في صفوف المشاركين في التحرك شملت: 

 84 ايقافا اغلبها ضد قصر دون السن 18 سنة   تنقسم بين قابس المدينة، قابس الجنوبية، قابس الغربية و شملت الابحاث نقل ما لا يقل عن 7 مواطنين الى فرقة الابحاث المركزية بالقرجاني بتونس العاصمة. 

ويتجاوز عدد المودعين في السجن ال 12 مسجونا من بينهم 2 قصر دون سن 18 سنة، وتوزعوا بين السجن المدني بقابس و اصلاحية سيدي بوزيد . كما تجاوز عدد الاحالات و السماعات ( محاضر بحث ) 101 مواطن و مواطنة من قابس .  

وتشير شهادات الاطفال و الشباب الذين تم اطلاق سراحهم الى تعرضهم الى اعتداءات جسدية و نفسية شديدة بالاضافة الى انتهاكات التي شملت العائلات عند اقتحام المنازل خلال عمليات الايقاف . 

وبشكل عام وحسب ما تم تجميعها من الشهادات ومن المنظمات الجهوية، فان عدد الايقافات بشكل عام وصل الى اكثر من 156 موقوفا، كما سجلت الايام اللاحقة للتحركات اصدار نحو ال 47 استدعاء للبحث الأمني. وهناك اكثر من 44 مودعا بالسجن من بينهم 9 في الاصلاحيات. اما التتبعات القضائية والاحالات والسماعات ( محاضر بحث) فقد شملت 201 مواطنة ومواطن من قابس. 

بهذا المعنى، فإنّ تعامل الدولة مع الحراك البيئي في قابس يُظهر استمرار النمط السلطوي في إدارة المجال العام، رغم الخطاب حول القطيعة مع الممارسات السابقة. فبدل أن تتبنى الدولة منطق الشراكة والمساءلة البيئية، حافظت على منطق الوصاية والتسيير من الأعلى. هذا ما يجعل الصراع في قابس ليس فقط حول “البيئة” بل حول شكل الدولة نفسها: هل هي دولة رعاية  تحمي وتنصت لمواطنيهاأم دولة تعيد انتاج الوصاية والعنف. 

  • عبوة من الغاز المسيل للدموع تطفئ النور في عين محمد علي  

خرج الشاب محمد علي الشريف البالغ من العمر 20 عاما والقاطن في منطقة شط السلام، عشية يوم 12 اكتوبر 2025، وفي طريق عودته الى منزلهم أصيب بطلق لعبوة من الغاز المسيل للدموع على مستوى عينه اليسرى ما تسبب له في اضرار كبيرة داخلها وكسور في انفه و في خده.  

واوضح العائلة خلال زيارة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمنزلهم، ان قوات الامن التي اصابت محمد علي مباشرة في عينه، لم تتولى حتى نقله الى المستشفى ولولا أصدقائه لبقي ملقى وسط الشارع. كما انه بوصولهم الى المستشفى وامام دقة حالته، أعلمهم الممرض وهو الاطار الطبي الوحيد الذي كان متواجدا هناك، ان وضعه حرج للغاية ولا يمكنه ان يقدم له اي مساعدة، وامام ان ابنهم المصاب لم يجد اي احاطة صحية في المستشفى العمومي، اضطرت العائلة رغم وضعها الاقتصادي البسيط الى نقله على نفقتهم الخاصة نحو احد المصحات الخاصة بولاية سوسة. وخضع هناك لتدخل جراحي  اول على عينه وهو وحسب الملف الطبي يحتاج الى اكثر من تدخل جراحي يشمل عينه وانفه وخده.  

ومن المهم الاشارة انه الاصابة الحرج وحجم الضرر الذي تعرض له محمد على الشريف نتيجة اصابته بعبو غاز مسيل للدموع بصفة مباشرة، لم يقع الى غاية الان التحقيق في ملابساتها قضائيا او فتح تحقيق في شانها ولو داخليا على مستوى وزارة الداخلية التي قام احد اعوانها باطلاق هذه العبوة نحو هدف وعلى مسافة غير مدروسة.  

تتواصل الحركة البيئية بقابس خاصة مع اعلان الاتحاد الجهوي بالشغل لاضراب عام يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025  

 

  • على سبيل الخاتمة  

ان الحديث عن الحلول المبتكرة في قابس عبر الترويج لما يسمى بالتثمين ليست  في جوهرها الا آلية للتطبيع مع  التلوث وجعله مقبولًا اجتماعيًا. حين يُقال إن “الفوسفوجيبس يمكن أن يتحول إلى مادة مفيدة في الزراعة أو البناء”، يُنقل الخطاب من نقد التلوث إلى تبريره، ومن المطالبة بإيقاف الضرر إلى استثماره. وبذلك لا تمارس الدولة سلطتها فقط بالقمع بل أيضًا عبر إنتاج خطاب “العقلانية التقنيةالذي يبرّر الاستمرار في السياسات الملوِّثة تحت غطاء “البحوث العلمية 

ان خيار التفكيك (وليس نقل الازمة الى فئات اضعف اقتصاديا او ديمغرافيا او سياسيا) يظهر أفقا واقعيا وليس شعارًا مثاليًا من خلال التخلي عن الصناعات الملوثة واستبدالها بأنشطة أكثر استدامة في قابس نفسها، مثل السياحة البيئية أو الزراعة المستدامة أو الصناعات النظيفة. 

إن مطالبة  أهالي قابس بالتفكيك  هي مطالبة بحق تقرير المصير البيئي ومن  أجل حقها في تحديد شكل تنميتها ومستقبلها البيئي 

يمكن القول إن قضية قابس تجاوزت الحدود المحلية لتصبح نموذجًا عالميًا للصراع بين التنمية الملوِّثة والحق في الحياة و بين الدولة المركزية والمجتمع المحلي. فالمعركة لم تعد بيئية فحسب، بل أصبحت معركة من أجل العدالة والمساواة والمواطنة الكاملة. 

 

 

Related Articles

Welcome to AI Forum!