منذ أكثر من ثلاثين سنة: منطقة “أم علي” التونسية تغرق في مياه الصرف الصحي الجزائرية
جيهان نصري. صحفية
أزمة الصرف الصحي في “أم علي”
تعيش منطقة “أم علي” بولاية القصرين طوال الثلالثين سنة الماضية على وقع جريمة بيئية مسكوت عنها تتمثل في سكب مياه صرف صحي جزائرية مباشرة داخل واد السارق العابر للحدود الجزائرية التونسية على مستوى منطقة أم علي ,وذلك وسط غياب التنسيق بين السلطات التونسية والجزائرية، وعدم تنفيذ الإجراءات المقررة للحدّ من التلوث من طرف الوفد الحكومي الذي زار المنطقة في 2021.
في وقت غير بعيد، كان عبد العزيز الزايري، يملك قرابة 200 رأس غنم لكن لم يبقَ منها شاة واحدة. أُتلفت أشجاره المثمرة وغابات الزيتون. ولم يقتصر الضرر على ممتلكات عبد العزيز بل انسحب على كل أهالي منطقة “أم علي” الحدودية. تشهد المنطقة سيلان مياه مُلوَّثة قادمة من القطر الجزائري منذ سنة 1996.
“على مدى 30 سنة ، تغرق “أم علي” في الأوساخ الجزائرية، ورغم مطالبنا ونداءاتنا المتواصلة لإيقاف هذه الكارثة البيئية لم يتجاوب احد مع مطالبنا”، يقول عبد العزيز.
تقع منطقة “أم علي” على الشريط الحدودي بين تونس والجزائر. وهي تابعة لمعتمدية فريانة بولاية القصرين. يقطن بها قرابة ألف و600 ساكن، حسب إحصائيات وزارة الداخلية للانتخابات المحلية سنة 2022، بينما يقع على الجانب الآخر من الحدود منطقة ” أم علي ” التابعة لولاية تبسة الجزائرية.
خلال زيارتنا الى المنطقة لم نستطع الولوج الى “دوار أولاد الزّاير” سيرا على الأقدام. فقد غمرت مياه آسنة ذات لون أخضر الطريق. اضطررنا للعبور على متن السيارة للوصول الى الجهة الأخرى من الوادي حيث يقع الدّوار. يستمرّ السيلان المتأتي من القطر الجزائري بينما تبقى كميات أخرى راكدة في المناطق الأكثر عمقا داخل الأراضي الزراعية وغابات الزيتون. يقول عبد العزيز الزّايري:
” نعيش معاناة كبرى جرّاء سكب مياه مستعملة لمدينة كاملة -في إشارة الى مدينة تبسّة- داخل أراضينا. أضرّت المياه الملوّثة بكل شيء في “أم علي”
أتت على آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. تضرّرت غابات التفاح وتم اقتلاع أعداد كبيرة من أشجار الزيتون رغم المداواة المتواصلة ومحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه.
لم يقتصر الضرر على الأراضي الزراعية، إذ يعاني الأهالي من جحافل الناموس والزواحف التي تشكل تهديدا لصحتهم وخطرا على حياتهم. يروي عبد المجيد الزايري (70 سنة) كيف باتت حياته وحياة أبناء المنطقة أشبه بكابوس يومي في ظل “الناموس” الذي يتضاعف عدده في موسم الصيف من كل سنة. يتحدث عمّا يعيشه جرّاء التلوث المنتشر في محيطه وهو يُشير الى أثار خلفها الناموس في جسده. يقول عبد المجيد:
“انظري ماذا فعل بي الناموس. يحرمنا من النوم ويمنعنا من رعي الأغنام في أراضينا جراء تكاثره على جانبي الوادي. نغّصت علينا هذه الأوساخ حياتنا”.
ينصّ الفصل السّابع والأربعون من الدستور التونسي لسنة 2022، على أن الدولة تضمن الحقّ في بيئة سليمة ومتوازنة وتساهم في سلامة المناخ. وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي. كما اقرّت المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأن الدول الأطراف تقرّ في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه. وتشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية، إضافة الى الوقاية من الأمراض الوبائية وعلاجها ومكافحتها، و تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات والعناية الطبية للجميع في حالة المرض.
في مُلخص ورقة بحثية نُشرت في المجلة العربية للبحث العلمي سنة 2021، بعنوان “تقييم التلوث الفيزيائي-الكيميائي والميكروبي لمياه الصرف الصحي ومياه البحر في خمس دول متوسطية”،أنجزت بوحدة البحث تحاليل وأساليب مطبقة في البيئة (UR17ES32) بالمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بالمهدية التابعة لجامعة المنستير تونس ، جاء فيه أن التلوث البيئي الناتج عن الأنشطة الصناعية والمنزلية والزراعية ، يشكل ضغطا كبيرا على الموارد المائية على مستوى العالم، ذلك ان للمياه المستعملة تأثيرا مباشرا في البيئة، إذ يتم تصريفها مباشرة في الطبيعة بعد إخضاعها للمعالجة وفق معايير محددة، فتحتوي بذلك على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكائنات الحية الدقيقة والمركبات العضوية وغير العضوية التي تسبب العديد من الأمراض والمخاطر. وفي هذا الإطار جمع الباحثون عينات من مياه البحر ومن مياه الصرف الصحي المعالجة وغير المعالجة من أربعة بلدان في جنوب البحر الأبيض المتوسط وهي مصر المغرب الجزائر وتونس. خضعت هذه العينات لتحاليل فيزيائية كيميائية وميكروبية ثم تمت مقارنة النتائج المتحصل عليها بدراسة أجريت في نفس الوقت بدولة في شمال البحر الأبيض المتوسط وهي إيطاليا. وقد أظهرت الدراسات الفيزيائية الكيميائية تلوثا بارزا لمياه الصرف الصحي ومياه البحر التي جمعت من البلدان العربية الأربعة وإيطاليا، حيث اثبتت وجود المُلوّثات: الأوكسيجين الكيميائي (COD) ، والطلب على الاوكسجين البيولوجي (5BOD)و(TOC)، و النترات (NO3) وغيرها، كما أظهرت وجود بعض المعادن الثقيلة. من ناحية أخرى سمحت تقنية (DGGE) بالتقييم المباشر للتنوع البكتيري الموجود بهذه المياه المستعملة وكذلك مياه البحر، وقد أثبتت هذه التحاليل شدة التنوع البكتيري في هذه المياه.
والمقصود بـ “المعادن الثقيلة” هو مجموعة من العناصر الكيميائية التي تتميز بكثافة عالية وسُمّيّة كبيرة. وتُعدّ من أخطر الملوثات على الصحة والبيئة. ومن أشهر هذه المعادن الرّصاص والزئبق والكادميوم والكروم والنيكال والنحاس. توجد هذه المعادن بشكل عادي في الطبيعة وهي ضرورية للحياة، لكنها تصبح سامة بتراكمها في الكائنات الحية. ويُعد الزئبق والرصاص والكادميوم من أكثر العناصر المُقلقة نظرا لقدرتها على الانتقال لمسافات طويلة في الغلاف الجوي.
يقول الخبير البيئي حمدي حشاد“ مياه الصرف الصحي هي مياه غير صالحة تم استعمالها في أنشطة منزلية أو تجارية او صناعية أو فلاحية. تحمل تركيبتها مواد عضوية أو مواد كيميائية. يقع التخلص من هذه المياه إما بإعادة معالجتها في محطات التطهير أو سكبها مباشرة في مصبات الاودية والبحر والسّباخ وهو ما يتم اعتماده في الدول التي لا تملك بنية تحتية تحترم المعايير البيئية والقوانين المعمول بها على الصعيد العالمي”.
تتشاطر تونس مع الجزائر بعض الأودية. وتقع بعض المدن الجزائرية في موقع جغرافي أعلى من المناطق التونسية وعند تصريف المياه تجد طريقها حتمًا الى الأراضي التونسية. يضيف حشاد:” تتكون المياه المستعملة من المواد العضوية والكيميائية، وبالتالي هي غنية جدا بالملوثات التي تستقر في التربة ويمكن أن تتسرب إلى المائدة الجوفية“. وفي حال تصريف تلك المياه عن قصد او غير قصد ستجد طريقها الى الأراضي التونسية ويمكن أن تؤثر على جودة وخصوبة الأراضي الفلاحية والمائدة الجوفية، وبالتالي تتسبب على المدى الطويل في خسارة جزء هام من منظومة الإنتاج الفلاحي في تلك المناطق على غرار منطقة “أم علي“. كما تشكل المنتجات القادمة من هذه المناطق خطرا على صحة المستهلك لانعدام معايير الصحة والسلامة الغذائية.
-
قرارات في الرفوف:
مساء يوم 24 فيفري سنة 2021، قام وفد حكومي مكوّن من 25 مديرا ومديرا عاما من مختلف الوزارات آنذاك، بزيارة ميدانية لولاية القصرين، دامت أربعة أيام، لمتابعة قرارات مجالس وزارية تضمنت قرارات لفائدة الجهة في كل القطاعات. يوم 27 فيفري 2021، تحوّل فريق فنّي متكون من ممثل عن الإدارة الجهوية للبيئة بالقصرين وممثل عن المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقصرين وممثل عن الوكالة الوطنية لحماية المحيط بالقيروان، إلى منطقة “أم علي” لمعاينة مياه الصرف الصحي المتأتية من القطر الجزائري. وجاء في تقرير الزيارة الذي تم رفعه إلى وزارة البيئة، وتضمن بدوره نسخة من محضر جلسة الزيارة التي تم اعدادها على عين المكان، أن الفريق المذكور قام بزيارة المنطقة بالتنسيق مع السلط الأمنية التونسية والجزائرية، حيث تبين وجود كميات كبيرة من المياه الراكدة والسائلة قرب مركز الحرس الحدودي ب “أم علي”. وجاء في نفس التقرير أنه تم رفع عينتين من هذه المياه المستعملة، الأولى من القطر الجزائري والثانية من نفس الوادي داخل التراب التونسي. واقترح الفريق الفني في نفس التقرير المرفوع الى وزارة البيئة، القيام بتحليل العينات لدى مخبر مصادق عليه – وقد تم ترشيح المخبر المركزي بسوسة أو المخبر المركزي بتونس لإجراء هذه التحاليل – ثم إحالة نتائج التحاليل والتقرير المرفوع إلى الوكالة الوطنية لحماية المحيط ووزارة البيئة للقيام بالإجراءات اللازمة. وخلال مقابلتنا له في شهر ديسمبر من سنة 2024، قال الممثل الجهوي لوزارة البيئة بالقصرين ماجد حقي أنه لا يستطيع الجزم إن كانت المياه الراكدة بمنطقة “أم علي ” مياه ملوثة أم لا وأنه لا يعلم، الى حدود تاريخ اللقاء، بنتائج تحاليل العينات وإن كانت متأتية من مياه صرف صحي أم من مياه صناعية.

-
نتائج التحاليل غير متوفرة وعدم الجدية في التعامل مع الملف
حاولنا الاتصال بممثل الوكالة الوطنية لحماية المحيط لمعرفة نتائج تحاليل عينات المياه التي تم رفعها سنة 2021، ومعرفة مصدر هذه المياه وإذا كانت مياه صرف صحي أم مياه صناعية فلم نتلق ردا من الأطراف المعنية. كما قمنا بمطلب نفاذ للمعلومة للوكالة الوطنية لحماية المحيط لكن لم يتم الرد على سؤالنا الى غاية نشر التحقيق .
يتضمّن التقرير المرفوع لوزارة البيئة والشؤون المحلية آنذاك، اقتراح التنسيق على مستوى وطني مع الجانب الجزائري حول الموضوع، والقيام بالإجراءات اللازمة إذا ثبت وجود تلوث ناجم عن مياه الصرف الصحي.
يوم 13 مارس 2021 ، قامت السلطات الجهوية بولاية القصرين بتدخل استعجالي، تمثل في القيام بمعالجة فيزيائية لهذه المياه بسكب 1500 كيلوغرام من مادة الجير كان قد وفّرها الديوان الوطني للتطهير. وكانت عملية التدخل بحضور الممثل الجهوي للبيئة وممثلين عن الإدارة الجهوية للصّحة، وفق تقرير تم رفعه لوزارة البيئة وتحصلنا على نسخة منه.

يقول الممثل الجهوي لوزارة البيئة ماجد حقي ، أن من بين المقترحات المرفوعة كحلول عاجلة هي المقاومة الفيزيائية المتمثلة في إيجاد كمية كبيرة من مادة الجير ونثرها على المناطق التي يوجد بها الترسب والمياه الراكدة لحماية المواطنين من الناموس. قال حقي:” هذه التدخلات يجب القيام بها خلال كل فترة تتراوح من عشرين يوم الى شهر حتى تكون عملية المقاومة الفيزيائية، ناجعة”. يضيف حقي:” علمنا أن السلطات الجهوية تقوم كل مرة بعملية المعالجة الفيزيائية“، فيما أكد أهالي ام علي انه لم يتم القيام بأي إجراء ولم تتواصل عملية المقاومة الفيزيائية منذ زيارة الوفد المنطقة خلال سنة 2021.
-
مع تواصل الارهاب البيئي العابر للحدود يبقى الصمت الرسمي سيد الموقف
تقدّم أهالي منطقة “ام علي“ على مدار ثلاثين عاما بشكاوى ونداءات للسلطات المحلية والمركزية للتدخل العاجل وإيجاد حل للكارثة البيئية التي تهدد حياة متساكني هذه المنطقة الحدودية. لم تتفاعل السلطات والحكومات المتعاقبة سواء قبل ثورة 2011 او بعدها. يقول عبد العزيز الزايري:
” رفعنا شكاوى للسلطات المحلية والجهوية والمركزية على غرار المعتمدين والولاة المتعاقبة لكن لم يسمعنا أحد ولم يستجب أي طرف لهذه المطالب. لقد أصابنا اليأس وتعودنا على تدهور الأوضاع بهذه المنطقة من جميع النواحي”.
ظهر التّقرير المرفوع الى وزارة البيئة خلال شهر مارس سنة 2021، أن اللّجنة الفنية التي عاينت منطقة “ام علي“ قد رفعت مقترح التنسيق على مستوى وطني مع الدولة الجزائرية للقيام بالإجراءات اللازمة لإيجاد حلّ لهذه المشكلة البيئية. يؤكد الممثل الجهوي للبيئة بولاية القصرين ما جاء في التقرير “تم اقتراح التدخل على أعلى مستوى يتمثل في التنسيق بين وزارة البيئة والشؤون المحلية آنذاك والقنصلية الجزائرية في تونس والنظر في الموضوع. وفي حال تم إثبات التلوث من المياه الصناعية او مياه الصرف الصحي يجب إيقاف هذه المياه ومعالجتها على عين المكان باعتبار أن الاودية ليست لها حدود دولية ويمكن المرور عبر دولتين أو أكثر”. ويضيف:” لا توجد نتائج تحاليل العينات. طلبنا التدخل على مستوى مركزي للنظر في هذا التلوث الذي يمكن أن يشكل خطرا على المواطنين خاصة وان اللجنة قد رصدت وجود مياه مستعملة”.
يؤكد الخبير البيئي حمدي حشاد على وجوب تنفيذ الاتفاقيات الموقّعة بين البلدين للحدّ من التلوث القادم من الجانب الجزائري. ويقول:
“لا بد من ابرام وتنفيذ ترتيبات واضحة للتعامل مع المياه المُستعملة التي تصل إلى التراب التونسي، ومعالجتها بشكل أولي وفق معايير موحّدة بين البلدين لضمان سلامة المناطق التونسية والجزائرية على حدّ السواء“.
يوم 11 ماي 2018، أبرمت تونس والجزائر 3 اتفاقيات إطارية للتعاون في مجال البيئة بين المؤسسات التونسية العاملة في المجال البيئي ونظيرتها الجزائرية. ومن بين الاتفاقيات الثلاثة كانت الاتفاقية قد أبرمت بين الوكالة الوطنية لحماية المحيط بتونس والمعهد الوطني للتكوينات البيئية بالجزائر لتعزيز علاقات التبادل المشترك في المجال البيئي بين الطرفين وخصوصا في مجالي التوعية والتربية البيئية بهدف “خلق تبادل بين الطرفين في المجال المدرسي والاستفادة من تجارب الطرفين في كيفية توجيه المواطن للقيام بأنشطة مستدامة عادلة ومسؤولة لتعزيز وتثمين التراث الطبيعي والثقافي”، حسب ما جاء في بيان على الصفحة الرسمية لوزارة البيئة التونسية.
-
وضع بيئي وتنموي متردي: لا ماء …لا تنمية
عند الوقوف على الحد الفاصل بين “أم علي التونسية” و “أم علي الجزائرية”، يظهر الفرق شاسعا بين المنطقتين. يطول البنيان والتوسع العمراني وتلوح خُضرة الأراضي في الجهة الجزائرية. بينما يقتصر اللون الأخضر في المنطقة التونسية على مياه الصرف الصحي السائلة في وادٍ يقسمها الى نصفين. تعيش المنطقة في عزلة شبه دائمة بسبب تردي الأوضاع التنموية فيها وغياب الطرقات والمسالك الفلاحية وانتشار البطالة في صفوف شبابها. “حتى التيار الكهربائي ضعيف ونعاني من انقطاعه المستمر خاصة خلال فصل الشتاء، لا يُنير مصابيح ولا يشحن الهواتف”، يقول عبد المجيد الزايري. ويواجه الأهالي ظروفا معيشية قاسية وصعبة تتجلى في عجزهم المادي على تلبية أبسط احتياجاتهم. يقول عبد المجيد الزائري “أعجز عن توفير أضحية العيد لإرتفاع سعرها بشكل يفوق مقدرتنا الشرائية“.
تعيش المنطقة الجبلية الحدودية تهميشا تنمويا قاسيا. إذ تشهد ازمة عطش حادّة وغياب لأبسط مقومات الحياة الكريمة. وتتصدر ازمة غياب الماء الصالح للشرب المشهد حيث يضطر الأهالي بمن فيهم تلاميذ المدارس الى استهلاك مياه تفتقد الى شروط السلامة الصحية من خزان أرضي مكشوف تماما. يؤكد التواتي:” رغم امكانياتهم المالية الصعبة، يضطر الأهالي لـشراء صهاريج مياه الشرب بأسعار تصل أحيانا الى 50دينار ثمن الصهريج الواحد“. يمتد هذا العطش ليضرب القطاع الفلاحي إذ تعاني أراض شاسعة تضمّ مساحات واسعة من أشجار الزيتون تعود الى الحقبة الرّومانية من انعدام تام لمياه الرّي.
وعلى مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية يصف عضو المجلس المحلّي بـ “ام علي “، الوضع بـ “الكارثي” حيث تتعطّل عجلة الحياة كليا بمجرد هطول الأمطار. تنقطع الطرقات. ويُحرم التلاميذ من الالتحاق بالمدارس. ويبقى المرضى عالقين يصارعون الألم دون القدرة على الوصول الى المستشفيات.
يقول التواتي:” تتجاهل السلطات مطالب فك العزلة عن المنطقة بحجة عطب في “عجلة آلة المسح“ ، لتبقى المنطقة رهينة الطرقات الوعرة وغياب المسالك الفلاحية المهيئة. لا يقف تردي البنية التحتية عند هذا لحد في “أم علي”، بل يصل الى حد الحرمان من التنوير العمومي حيث لا تزال بعض العائلات ، في سنة 2026، تعيش في ظلام دامس وتعتمد على الشموع للإنارة.
امام هذا الواقع المتردي الذي تعيشه الجهة وغياب حلول للحدّ من التلوث وتدهور الوضع التنموي، يطلق الأهالي نداءات استغاثة لتحديد أولويات المنطقة وعلى رأسها توفير الماء الصالح للشرب وتهيئة المسالك الفلاحية وتعبيد الطرقات وإيجاد حلول للمعطّلين عن العمل. وحذر عضو المجلس المحلّي من
“التداعيات الخطيرة لهذا التهميش المستمر، والذي أدى إلى تنامي ظاهرة النزوح ودفع السكان الى هجرة أراضيهم الجبلية الحدودية في وقت يُفترض فيه ان تتدخل الدولة لتعمير هذه المناطق وتثبيت متساكنيها”.