يشهد العالم تفاقما للأزمة المناخية والبيئية في جميع أنحائه ويلاحظ هذا التأثير يوما بعد يوم وسنة بعد سنة بتواتر الكوارث المناخية وشدة وقعها واثارها و المفارقة تقع في أن أكثر البلدان تسببا في التغير المناخي هي الأقل تأثرا وتتمثل بالاساس في دول الشمال ولكنها ليست في منأى عن بقية العالم وولن تتمكن من مجابهة التغييرات القادمة مستقبلا دون انقاذ ومساعدة البلدان الأكثر تضررا والتي تمثل البلدان الأقل تسسبا في هذه التغيرات وهي دول الجنوب عموما.
كما تمثل ظاهرة التلوث البيئي أيضا أحد المشاكل الرئيسية التي تعانيها هذه الأخيرة نتيجة السياسات الفاشلة لحكوماتها وعلى رأسها قبول الصناعات الاكثر تلويثا في اطار التقسيم العالمي والتي مكنتها منها دول الشمال بغية نقل مصادر التلوث الى خارج مناطقها.
في هذا الاطار يتنزل هذا المقال حيث يتناول تأثير كل من الأزمة المناخية والبيئية على قطاع الصيد البحري وصغار البحارة وهي من القطاعات الهشة والفئات الأكثر هشاشة بالقطاع نفسه وذلك بمدينة قصيبة المديوني بولاية المنستير.
حيث يمثل قطاع الصيد البحري رافدا هاما في اقتصاد المدينة وذلك للخصوصية الفريدة لخليج المنستير من حيث خصائصه الايكولوجية كحاضنة لعديد الكائنات البحرية الا أن عدد مراكب الصيد وعدد البحارة شهد انخفاضا كبيرا بأكثر من على مدى 8 سنوات الأخيرة. اذ تراجع عدد صغار البحارة من 138 سنة 2017 الى 67 الى حدود جوان 2025 كما تراجع عدد مراكب الصيد النظامية من 31 الى 18 مركبا بنفس المدة وشهد عدد مراكب الصيد الغير نظامية كذلك تراجعا من 40 الى 10 مراكب.
فقد مثلت الأزمة البيئية بالمدينة معضلة منذ عقود جراء عديد العوامل التي جعلت من خليج المنستير يعاني تلوثا حاد أثر على قطاع الصيد البحري ومن أهم عواملها قيام الديوان الوطني بالتطهير بسكب المياه المعالجة وغير المعالجة بالخليج مباشرة عبر عدة محطات ارتكزت بالمنطقة منذ التسعينات وتعود سياسة الديوان في التعامل مع هذه المياه لعدة اسباب نتناولها تفصيليا بالمقال. كما ان ارتكاز العديد من مصانع النسيج بالمنطقة واستغلالها لكميات هائلة من المياه خاصة في صناعة “الدجين” جعل من تلك المصانع تقوم بسكب المياه الصناعية مباشرة بالخليج دون معالجة او تصريفها الى محطات الديوان مما زاد عليه عبئ المعالجة.
ما زاد معاناة صغار البحارة والتأثيرات على قطاع الصيد البحري السنوات الأخيرة هو تفاقم الأزمة المناخية ومظاهرها من اضطراب في التساقطات وارتفاع درجة حرارة سطح البحر والذي بدروه يؤثر على كمية الثروة البحرية ومواسم صيد الأسماك ودخول كائنات جديدة على النظام الايكولوجي وندرة كائنات أخرى بخليج المنستير مما ينعكس سلبا على انتاج صغار البحارة.
تقاطع الأزمتين البيئية والمناخية أحل بكارثة جديدة على القطاع حيث ازدادت وتيرة ظاهرة المد الأحمر السنوات الأخيرة وامتدادها على مساحة أكبر بكثير في كل مرة وكانت اخرها في جوان 2025 والتي تسببت بانقطاع عمل صغار البحارة لأيام وتسببت في نفوق كميات ضخمة من الكائنات البحرية.
شهدت المدينة عدة تحركات احتجاجية منذ سنة 2006 وزاد ت تأججها السنوات التي تلت ثورة 2011 وشهد تعامل السلط معها تطورا ملحوظا حيث جوبهت بالقمع والتعتيم وارجاع الأسباب لعوامل طبيعية بحتة تحت ظل النظام السابق الى الحوار ومحاولة ايجاد حلول بتشريك كل الأطراف بعد الثورة الا أن تلك الحلول بقت رهن المماطلة الى أن عاد تعامل النظام مع الأزمة بالانكار ابان حادثة جوان 2025 والتي انتهت بحلول رئيس الجمهورية بالمدينة والاعتراف بالازمة واعطاء الوعود للأهالي بحل الأزمة في القريب العاجل.
وبالعودة على السياسات الفعلية للتعامل مع قطاع الصيد البحري بالمدينة فنجد أن صغار البحارة تم التخلي عنهم تدريجيا تحت كل الأنظمة وذلك بالتضييق على نشاطهم في كل مرة وبتقليص الدعم المرصود لهم.
خلص هذا المقال الى أن منطقة قصيبة المديوني وخليج المنستير عامة منطقة منكوبة بيئيا وزادت أزمتها التغيرات المناخية و لاى أن الصريبة دوما ما تكون على الحلقات الاضعف في المجتمع والأكثر هشاشة.
حيث ندعو الى :
- ضرورة الاقرار الرسمي بخطورة الوضع البيئي بخليج المنستير.
- ضرورة دعم صغار البحارة للتكيف مع التغيرات المناخية.
- ضرورة ايقاف سكب المياه المعالجة وغير المعالجة بخليج المنستير.
- ضرورة تبني سياسات جديدة تقوم على تثمين المياه المعالجة وتحقيق الاستدامة في الخليج.