يتناول هذا المقال بالدراسة ظاهرة التنقّل البيئي في تونس في سياق تصاعد الأزمات المناخية والبيئية، مسلّطًا الضوء على العلاقة السببية بين التغيرات المناخية، والتدهور البيئي، وضعف السياسات العمومية، والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. وينطلق من مقاربة العدالة البيئية بوصفها إطارًا تحليليًا يربط بين البيئة وحقوق الإنسان، ويكشف تداعيات النموذج التنموي غير المتكافئ.
على المستوى العالمي، يبرز المقال الارتفاع المتواصل في أعداد المتنقّلين البيئيين نتيجة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، إذ يُتوقّع أن يبلغ عدد النازحين البيئيين حول العالم حوالي 216 مليون شخص بحلول سنة 2025، وذلك في ظل غياب اعتراف قانوني دولي صريح يضمن الحماية لهذه الفئة، رغم تعدّد المبادرات والاتفاقيات غير الملزمة. ويبيّن المقال أن هذا الفراغ القانوني ينعكس سلبًا على أوضاع المتنقّلين البيئيين ويضاعف من هشاشتهم.
أمّا في السياق التونسي، فيؤكد المقال أن تونس ليست بمنأى عن هذه التحوّلات، إذ يشكّل شحّ المياه، والجفاف، والتصحّر، وتدهور الموارد الطبيعية عوامل رئيسية تدفع السكان، ولا سيما في المناطق الريفية والداخلية، إلى النزوح الداخلي أو الهجرة. ورغم توفّر مؤشرات ميدانية ودراسات تؤكد تصاعد هذه الظاهرة، فإن الدولة التونسية لا تعترف رسميًا بمفهوم «المتنقّل البيئي»، كما لا تتوفر آليات احصاء أو سياسات عمومية تراعي البعد الاجتماعي في علاقته بالتغير المناخي ومكافحة التلوّث.
ويركّز المقال كذلك على دراسات حالة من ولاية القيروان، تحديدًا منطقتي همّاد من معتمدية السبيخة ومرمر بجبل وسلات، حيث يُعد غياب الماء الصالح للشرب المحرّك الأساسي للتنقّل القسري. وتكشف الشهادات الميدانية عن أوضاع معيشية قاسية تتجلّى في انهيار النشاط الفلاحي، وتفكّك النسيج العائلي، وانتشار الأمراض، ولا سيما أمراض الكلى، إلى جانب تدهور الصحة النفسية، ما يجعل التنقّل خيارًا اضطراريًا وغير طوعي.
ويخلص المقال إلى صعوبة الفصل بين البعد البيئي والبعد الاجتماعي والاقتصادي في أسباب التنقّل، إذ يُعدّ التنقّل البيئي استراتيجية للبقاء في ظل تفاقم الأزمة البيئية والمناخية، وفشل السياسات العمومية، وقصور الأطر القانونية والمؤسساتية عن الإحاطة بهذه الفئة الهشّة. كما يبرز أن الخيارات البيئية والقانونية غير العادلة تسهم في تعميق التهميش وإعادة إنتاج الهشاشة بدل الحدّ منها.
وفي الختام، يدعو المقال إلى:
- إدماج مفهوم «المتنقّل البيئي» ضمن السياسات المناخية والاجتماعية والاقتصادية؛
- تطوير آليات خاصة برصد وتحليل التنقّلات البيئية
- إحداث قاعدة بيانات وطنية دقيقة، خاصة بالتنقّلات الداخلية
- وإرساء تنسيق مؤسساتي فعّال يدمج البعد الاجتماعي في التخطيط البيئي.